أحمد بن محمد القسطلاني
151
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
باب : إن أحال دين الميت على رجل جاز قال : ( ثم أُتي بجنازة أخرى فقال : هل عليه من دين ؟ قالوا نعم ) عليه دين زاد في الرواية السابقة ثلاثة دنانير ( قال : صلوا ) ولأبي ذر : فصلوا ( على صاحبكم . قال أبو قتادة ) الحرث بن ربعي الأنصاري ( عليّ دينه ) ولابن ماجة : أنا أتكفل به ( يا رسول الله فصلّى عليه ) صلوات الله وسلامه عليه واقتصر في هذه الطريق على اثنين من الأموات الثلاثة المذكورة في الرواية السابقة . ووجه المطابقة هنا أنه لو كان لأبي قتادة أن يرجع لما صلّى عليه النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حتى يوفي أبو قتادة الدين لاحتمال أن يرجع فيكون قد صلّى على مديان دينه باقٍ عليه فدلّ على أنه ليس له أن يرجع . 2296 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا عَمْرٌو سَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - رضي الله عنهم - قَالَ : " قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَوْ قَدْ جَاءَ مَالُ الْبَحْرَيْنِ قَدْ أَعْطَيْتُكَ هَكَذَا وَهَكَذَا ، فَلَمْ يَجِئْ مَالُ الْبَحْرَيْنِ حَتَّى قُبِضَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَلَمَّا جَاءَ مَالُ الْبَحْرَيْنِ أَمَرَ أَبُو بَكْرٍ فَنَادَى : مَنْ كَانَ لَهُ عِنْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عِدَةٌ أَوْ دَيْنٌ فَلْيَأْتِنَا ، فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ : إِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِي كَذَا وَكَذَا ، فَحَثَى لِي حَثْيَةً ، فَعَدَدْتُهَا ، فَإِذَا هِيَ خَمْسُمِائَةٍ وَقَالَ : خُذْ مِثْلَيْهَا " . [ الحديث 2296 - أطرافه في : 2598 ، 2683 ، 3137 ، 3164 ، 4383 ] . وبه قال : ( حدّثنا علي بن عبد الله ) المديني قال : ( حدّثنا سفيان ) بن عيينة قال : ( حدّثنا عمرو ) هو ابن دينار أنه ( سمع محمد بن علي ) أي ابن الحسين بن علي بن أبي طالب ( عن جابر بن عبد الله ) الأنصاري ( رضي الله عنهم ) أنه ( قال : قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لو قد جاء مال البحرين ) موضع بين البصرة وعمان أي لو تحقق المجيء ( قد أعطيتك هكذا وهكذا ) زاد في غير رواية أبي الوقت وهكذا زاد في الشهادات فبسط يديه ثلاث مرات فيه اقتران الماضي الوافع جوابًا " للو " بقد . قال ابن هشام وهو غريب كقول جرير : لو شئت قد نقع الفؤاد بشربة . . . تدع الصوادي لا يجدن غليلا يقال : نقع الماء العطش سكنه والذي وقع هنا يؤيده كحديث ابن عباس عند البخاري في باب : رجم الحبلى من الزنا الذي فيه ذكر البيعة بعد وفاة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . قال عبد الرحمن بن عوف : لو رأيت رجلاً أتى أمير المؤمنين فقال : يا أمير المؤمنين هل لك في فلان يقول لو قد مات عمر لقد بايعت فلانًا ففيه كالذي قبله ورود جواب لو وشرطها جميعًا مقترنين بقد ، وفلان المشار إليه بالبيعة هو طلحة بن عبيد كما في فوائد البغوي ( فلم يجيء مال البحرين حتى قبض النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فلما جاء مال البحرين أمر أبو بكر ) الصديق - رضي الله عنه - رجلاً ( فنادى من كان له عند النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عدة ) أي وعد ( أو دين فليأتنا ) قال جابر : ( فأتيته فقلت ) له : ( إن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال لي كذا وكذا فحثا لي ) أبو بكر رضي الله عنه ( حثية ) بفتح الحاء المهملة وبالثاء المثلثة فيهما . قال ابن قتيبة : هي الحفنة . وقد ابن فارس ملء الكفّين ( فعددتها فإذا هي خمسمائة وقال : خذ مثليها ) أي مثلي خمسمائة فالجملة ألف وخمسمائة وذلك لأن جابرًا لما قال : إن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال لي كذا وكذا ثلاث مرات حثا له أبو بكر حثية فجاءت خمسمائة فقال خذ مثليها لتصير ثلاث مرات كما وعده - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وكان من خلقه الوفاء بالوعد ، فنفذه أبو بكر بعد وفاته عليه الصلاة والسلام . ومطابقته للترجمة من جهة أن أبا بكر - رضي الله عنه - لما قام مقام النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تكفل بما كان عليه من واجب أو تطوع ، فلما التزم لزمه أن يوفي جميع ما عليه من دين أو عدّة . وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الخمس والمغازي والشهادات ومسلم في فضائل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . 4 - باب جِوَارِ أَبِي بَكْرٍ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَقْدِهِ ( باب جوار أبي بكر ) الصديق - رضي الله عنه - أي أمانه قال تعالى : { وإن أحد من المشركين استجارك فأجره } [ التوبة : 6 ] أي أمنه وجيم جوار بالكسر ويجوز الضم ( في عهد النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) أي في زمنه ( وعقده ) أي وعقد أبي بكر . 2297 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ فَأَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ - رضي الله عنها - زَوْجَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَتْ : " لَمْ أَعْقِلْ أَبَوَىَّ إِلاَّ وَهُمَا يَدِينَانِ الدِّينَ " . وَقَالَ أَبُو صَالِحٍ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ عَنْ يُونُسَ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ : أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ - رضي الله عنها - قَالَتْ : " لَمْ أَعْقِلْ أَبَوَىَّ قَطُّ إِلاَّ وَهُمَا يَدِينَانِ الدِّينَ ، وَلَمْ يَمُرَّ عَلَيْنَا يَوْمٌ إِلاَّ يَأْتِينَا فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - طَرَفَىِ النَّهَارِ بُكْرَةً وَعَشِيَّةً . فَلَمَّا ابْتُلِيَ الْمُسْلِمُونَ خَرَجَ أَبُو بَكْرٍ مُهَاجِرًا قِبَلَ الْحَبَشَةِ حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَرْكَ الْغِمَادِ لَقِيَهُ ابْنُ الدَّغِنَةِ ، وَهْوَ سَيِّدُ الْقَارَةِ فَقَالَ : أَيْنَ تُرِيدُ يَا أَبَا بَكْرٍ ؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : أَخْرَجَنِي قَوْمِي ، فَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَسِيحَ فِي الأَرْضِ فَأَعْبُدَ رَبِّي . قَالَ ابْنُ الدَّغِنَةِ : إِنَّ مِثْلَكَ لاَ يَخْرُجُ وَلاَ يُخْرَجُ . فَإِنَّكَ تَكْسِبُ الْمَعْدُومَ ، وَتَصِلُ الرَّحِمَ ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ ، وَأَنَا لَكَ جَارٌ . فَارْجِعْ فَاعْبُدْ رَبَّكَ بِبِلاَدِكَ ، فَارْتَحَلَ ابْنُ الدَّغِنَةِ فَرَجَعَ مَعَ أَبِي بَكْرٍ فَطَافَ فِي أَشْرَافِ كُفَّارِ قُرَيْشٍ فَقَالَ لَهُمْ : إِنَّ أَبَا بَكْرٍ لاَ يَخْرُجُ مِثْلُهُ وَلاَ يُخْرَجُ ، أَتُخْرِجُونَ رَجُلاً يُكْسِبُ الْمَعْدُومَ ، وَيَصِلُ الرَّحِمَ ، وَيَحْمِلُ الْكَلَّ ، وَيَقْرِي الضَّيْفَ وَيُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ ؟ فَأَنْفَذَتْ قُرَيْشٌ جِوَارَ ابْنِ الدَّغِنَةِ ، وَآمَنُوا أَبَا بَكْرٍ ، وَقَالُوا لاِبْنِ الدَّغِنَةِ : مُرْ أَبَا بَكْرٍ فَلْيَعْبُدْ رَبَّهُ فِي دَارِهِ ، فَلْيُصَلِّ وَلْيَقْرَأْ مَا شَاءَ وَلاَ يُؤْذِينَا بِذَلِكَ ، وَلاَ يَسْتَعْلِنْ بِهِ ، فَإِنَّا قَدْ خَشِينَا أَنْ يَفْتِنَ أَبْنَاءَنَا وَنِسَاءَنَا . قَالَ ذَلِكَ ابْنُ الدَّغِنَةِ لأَبِي بَكْرٍ ، فَطَفِقَ أَبُو بَكْرٍ يَعْبُدُ رَبَّهُ فِي دَارِهِ وَلاَ يَسْتَعْلِنُ بِالصَّلاَةِ وَلاَ الْقِرَاءَةِ فِي غَيْرِ دَارِهِ . ثُمَّ بَدَا لأَبِي بَكْرٍ فَابْتَنَى مَسْجِدًا بِفِنَاءِ دَارِهِ ، وَبَرَزَ ، فَكَانَ يُصَلِّي فِيهِ وَيَقْرَأُ الْقُرْآنَ ، فَيَتَقَصَّفُ عَلَيْهِ نِسَاءُ الْمُشْرِكِينَ وَأَبْنَاؤُهُمْ يَعْجَبُونَ وَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ رَجُلاً بَكَّاءً لاَ يَمْلِكُ دَمْعَهُ حِينَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ ، فَأَفْزَعَ ذَلِكَ أَشْرَافَ قُرَيْشٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ، فَأَرْسَلُوا إِلَى ابْنِ الدَّغِنَةِ فَقَدِمَ عَلَيْهِمْ فَقَالُوا لَهُ : إِنَّا كُنَّا أَجَرْنَا أَبَا بَكْرٍ عَلَى أَنْ يَعْبُدَ رَبَّهُ فِي دَارِهِ ، وَإِنَّهُ جَاوَزَ ذَلِكَ فَابْتَنَى مَسْجِدًا بِفِنَاءِ دَارِهِ ، وَأَعْلَنَ الصَّلاَةَ وَالْقِرَاءَةَ ، وَقَدْ خَشِينَا أَنْ يَفْتِنَ أَبْنَاءَنَا وَنِسَاءَنَا ، فَأْتِهِ ، فَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى أَنْ يَعْبُدَ رَبَّهُ فِي دَارِهِ فَعَلَ ، وَإِنْ أَبَى إِلاَّ أَنْ يُعْلِنَ ذَلِكَ فَسَلْهُ أَنْ يَرُدَّ إِلَيْكَ ذِمَّتَكَ ، فَإِنَّا كَرِهْنَا أَنْ نُخْفِرَكَ ، وَلَسْنَا مُقِرِّينَ لأَبِي بَكْرٍ الاِسْتِعْلاَنَ . قَالَتْ عَائِشَةُ : فَأَتَى ابْنُ الدَّغِنَةِ أَبَا بَكْرٍ فَقَالَ : قَدْ عَلِمْتَ الَّذِي عَقَدْتُ لَكَ عَلَيْهِ ، فَإِمَّا أَنْ تَقْتَصِرَ عَلَى ذَلِكَ ، وَإِمَّا أَنْ تَرُدَّ إِلَىَّ ذِمَّتِي ؛ فَإِنِّي لاَ أُحِبُّ أَنْ تَسْمَعَ الْعَرَبُ أَنِّي أُخْفِرْتُ فِي رَجُلٍ عَقَدْتُ لَهُ . قَالَ أَبُو بَكْرٍ : إِنِّي أَرُدُّ إِلَيْكَ جِوَارَكَ ، وَأَرْضَى بِجِوَارِ اللَّهِ - وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَئِذٍ بِمَكَّةَ - فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : قَدْ أُرِيتُ دَارَ هِجْرَتِكُمْ ، رَأَيْتُ سَبْخَةً ذَاتَ نَخْلٍ بَيْنَ لاَبَتَيْنِ ، وَهُمَا الْحَرَّتَانِ . فَهَاجَرَ مَنْ هَاجَرَ قِبَلَ الْمَدِينَةِ حِينَ ذَكَرَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَرَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ بَعْضُ مَنْ كَانَ هَاجَرَ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ . وَتَجَهَّزَ أَبُو بَكْرٍ مُهَاجِرًا ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : عَلَى رِسْلِكَ ، فَإِنِّي أَرْجُو أَنْ يُؤْذَنَ لِي . قَالَ أَبُو بَكْرٍ : هَلْ تَرْجُو ذَلِكَ بِأَبِي أَنْتَ ؟ قَالَ : نَعَمْ . فَحَبَسَ أَبُو بَكْرٍ نَفْسَهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِيَصْحَبَهُ ، وَعَلَفَ رَاحِلَتَيْنِ كَانَتَا عِنْدَهُ وَرَقَ السَّمُرِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ " . وبه قال : ( حدّثنا يحيى بن بكير ) نسبه لجده لشهرته به وأبوه عبد الله المخزومي قال : ( حدّثنا الليث ) بن سعد الإمام ( عن عقيل ) بضم العين ابن خالد أنه قال : ( قال ابن شهاب ) محمد بن مسلم ( فأخبرني ) الفاء عاطفة على محذوف تقديره أخبرني فلان بكذا فأخبرني ( عروة بن الزبير ) بن العوام ( أن عائشة - رضي الله عنها - زوج النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قالت : لم أعقل ) بكسر القاف أي لم أعرف ( أبوي ) أبا بكر وأم رومان ، وزاد أبو ذر عن الكشميهني هنا قط بتشديد الطاء المضمومة للنفي في الماضي